فضل حسن عباس

44

قضايا قرآنية في الموسوعة البريطانية ( نقد مطاعن ، ورد شبهات )

الأفراد بعضهم مع بعض ، وعلاقة الجماعة بغيرها من الناس ، كل ذلك كان الهدف الذي يوجه إليه القرآن ويبين أسسه ويرسي قواعده . ولكن اختلاف الموضوع قد ينتج عنه اختلاف الأسلوب من حيثية معينة ، اللهم إلا حيثية الجودة وحسن الصياغة ، ولنتصور أستاذا يحاضر في أدب المسرح ، أو في أهداف الشعر ، أو في أسلوب القصة ، وآخر يتحدث في قضية من قضايا العلم كالطب والكيمياء ، أو قوانين فيزيائية ، وقد أعطي كل منهما القدرة على الشرح ، وروعة الأسلوب ، وحسن المحاضرة ، إن عاقلا لا يمكن أن يفرق بين هذين الأستاذين بأن الأول كان سهل الأسلوب ميسرة وبأن الثاني كان معقدا ركيكا ، بل إن كليهما رائع في شرحه ، موفق في عرضه ، ولكن طبيعة الموضوع المتحدث عنه هي التي تختلف من واحد لآخر ، وهكذا أسلوب القرآن مكيه ومدنيه . إن أي باحث منصف يتدبر آيات القرآن على اختلاف تنزلاتها سيجد أن الأسلوبين سواء ، لا يختلف أحدهما من حيث الجودة عن صاحبه ، إن آية الدّين في سورة البقرة [ آية 282 ] ، وآيات المواريث في سورة النساء [ الآيات 11 ، 12 ] وقضايا العقود في سورة المائدة ، وأحكام الآداب في سورة الحجرات ، وآيات الجهاد في سورة براءة [ الآيات 1 - 29 ] : كلها مدنية لا تختلف من حيث أسلوبها وجودتها عن آي القصص في سورة الشعراء ، أو عن قواعد الوحدانية في سورة النمل ، أو عن قضايا الأخلاق في سورة الإسراء ، اللهم إلا أنّ طبيعة الموضوع نفسه تقتضي شيئا من التغير في العرض ، ولكن هذا التغير كما قلت ، بعيد كل البعد عن صلب الأساسيات الأولى ، من جودة النظم ، وروعة الأسلوب وعلو شأنه ، وبديع الصنعة ، والتناهي في البلاغة ، وتلك قضية يدركها كل من كان له أدنى اطلاع ، وأدنى معرفة بالأساليب مقبولها ومردودها على السواء ، وسيأتيك مزيد في بحث هذه القضية في موضع آخر إن شاء اللّه .